محمد بن علي النقي الشيباني
10
مختصر نهج البيان
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 62 إلى 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) فرسخ في فرسخ بقدر عسكر موسى عليه السّلام . وهو في العربيّة كلّ جبل ينبت . والسّبب في رفعه امتناعهم من الكتاب لما فيه من صفة محمّد صلّى اللّه عليه وآله والبشارة به وبعثته وتصديقه . وكان الواحد منهم لا يزال رافعا بصره شاخصا إليه ، خوفا من سقوطه عليه . وقيل : ابتلاهم اللّه تعالى ببحر من خلفهم وبنار من قبل وجوههم وبرفع الجبل على رؤوسهم . وقيل لهم : « خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » ؛ أي : كارهين . « وَاذْكُرُوا ما فِيهِ » من الثواب والعقاب والأمر والنهي لتتّقوا المعصية . [ 64 ] « فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ » لكم بتأخير العقاب . « الْخاسِرِينَ » : المغبونين بالعقوبة . [ 65 ] « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا » ؛ أي : علمتم خبرهم وحيلتهم لصيد الحيتان . و « اعْتَدَوْا » : تجاوزوا الحدّ . حرّم اللّه عليهم يوم السّبت فكانت لا تأتيهم إلّا فيه ، فحبسوها يوم السّبت وصادوها يوم الأحد في زمن داود في قرية أيلة حاضرة البحر . « قِرَدَةً » : جمع قرد . « خاسِئِينَ » : متباعدين . من خسأت الكلب . قيل : أقام المسوخ ثلاثة أيّام ثمّ ماتوا . وقيل : سبعة . [ 66 ] « نَكالًا » : عقوبة . « لِما بَيْنَ يَدَيْها » : صيد الحيتان . وقيل : لما مضى من ذنوبهم . « وَما خَلْفَها » من المعاصي بعد ذلك . وقيل : لما بعدهم من بني إسرائيل أن يستنّوا بسنّتهم . وقيل : جعلنا القرية وأصحابها نكالا وعبرة « لِما بَيْنَ يَدَيْها » من القرى « وَما خَلْفَها » من القرى . « وَمَوْعِظَةً » : زجرا . [ 67 ] « أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً » . قيل : إنّما أمروا بذبحها لأنّها من جنس ما عبدوه . والسّبب أنّ أخوين من بني إسرائيل قتلا ابن عمّهما ليرثاه ووضعاه بين قريتين فأخذه أهل إحداهما . فلمّا أصبحوا فاتّهماهم بقتله . فحلفوا باللّه أنّهم ما قتلوه ولا علموا قاتله . فسألوا موسى أن يسأل اللّه تعالى أن يطلعهم على قاتله . فأمرهم موسى أن يذبحوا بقرة فقالوا لموسى : « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » . لأنّه ليس في ظاهر قوله جواب لسؤالهم . فقال لهم موسى : « أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » المستهزئين ، بل اللّه أمركم بها وأن تضربوه ببعضها فيحيى المقتول فيخبركم بقاتله . فقالوا لموسى : [ 68 ] « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ » : ما سنّها وما لونها ؟ قال موسى : « إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ » : مسنّة كبيرة . « وَلا بِكْرٌ » : صغيرة . « عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ » ؛ أي : هي عوان بين الصّغيرة والكبيرة . أي : وسط . [ 69 ] « فاقِعٌ لَوْنُها » ؛ أي : خالص مشبع حتّى ظلفها وقرنها أصفران . وقيل : سوداء حتّى قرنها وظلفها أسودان . ومنه : « جِمالَتٌ صُفْرٌ » « 1 » ؛ أي : سود . وقيل : صاف . وقيل : لامع . « تَسُرُّ النَّاظِرِينَ » : تعجبهم .
--> ( 1 ) - المرسلات ( 77 ) / 33 .